الجمعة، 31 ديسمبر 2010

الاكراد والمخابرات السوفيتية





كانت حركات التحرر الوطني دوما بمثابة مادة مثالية لممارسة النشاط الاستخباراتي. وكان الاكراد في القرن العشرين من اكثر الشعوب المناضلة من اجل التحرر الوطني جاذبية بالنسبة للاستخبارات العالمية. وليس من قبيل الصدفة ان اشهر الارهابييْن في القرن العشرين الالماني اوتو سكورتسيني والروسي بافل سودوبلاتوف كانا يتعاونان معهم.

في القرن العشرين نال الاكراد مرتين الفرصة لاقامة دولة وطنية مستقلة. وحصل ذلك كل مرة بمساعدة الاتحاد السوفيتي. وشهدت منطقة جنوب القوقاز في عشرينات القرن العشرين قيام اول دويلة كردية دعيت كردستان الاحمر . وذلك في اقليم كردي بمركزه الاداري لاتشين. وازيل هذا الاقليم كوحدة ادارية في الثلاثينات. واتيحت عام 1946 الفرصة الثانية للاكراد لاقامة دولتهم. لكن تلك الفرصة سحبت منهم بسرعة.

فشل عملية سكورتسيني




في أغسطس/آب عام 1941 دخلت القوات السوفيتية والبريطانية الى الاراضي الايرانية. ونظرا الى ان الاكراد لم يخضعوا للحكومة الايرانية المركزية قررت الاستخبارات الالمانية الاستفادة من هذا الامر. وكان التعاون مع الاكراد اول مهمة استخباراتية انيطت باوتو سكورتسيني حين تم تعيينه مسؤولا في شعبة العمليات التخريبية في الاستخبارات الخارجية الالمانية (أس دي) وكلف زعماء الاستخبارات الالمانية سكورتسيني بقطع الامدادات الى مناطق استخراج النفط في ايران. ومن اجل تحقيق هذا الهدف عرض على سكورتسيني تقديم الدعم للاكراد. وكان من المفترض ان تتوغل مجموعة صغيرة من القوات الالمانية الخاصة الى ايران بغية تزويد القبائل الكردية المتمردة بالاسلحة والتعاون معهم بمثابة مستشارين، ناهيك عن القيام باعمال تخريبية وارهابية مستقلة. وقد تم ارسال بعض المجموعات الخاصة الى ايران. لكن العملية باءت بالفشل التام. وقامت المخابرات البريطانية التي تعاونت ايضا مع القبائل الكردية وتعهدت لها باقامة دولة مستقلة بكشف شبكة التجسس الالمانية واعتقال عناصرها.

الاخ الاكبر

اعلن عام 1946 في اقليم ايراني سيطرت عليه القوات السوفيتية قيام حمهورية مهاباد الكردية. لكن القوات السوفيتية انسحبت من ايران عام 1947. وقامت ايران على إثر ذلك بالغاء الجمهورية الكردية. ووقع قادة الاكراد المتمردين في فخ دبرته السلطات الايرانية حين وجهت اليهم دعوة للحضور الى طهران حيث تم اعتقالهم واعدامهم شنقا. ونجا من هذا المصير زعيم كردي واحد هو مصطفى برزاني الذي اضطر الى عبور الحدود الايرانية السوفيتية والحضور الى اذربيجان السوفيتية.

ومن الجدير بالذكر ان القوات البريطانية فرضت سيطرتها على ايران قبل الحرب العالمية الثانية. واعتبرتها الاستخبارات السوفيتية حينذاك خصما رئيسيا وليست الولايات المتحدة كما هو الحال في فترة ما بعد الحرب. وفي بداية الحرب العالمية الثانية اي في فترة تنامي نشاط الاستخبارات الالمانية في طهران كانت بريطانيا تراهن على ورقة كردية. لكنها تخلت عن دعم الاكراد بعد دخول القوات السوفيتية الى ايران في صيف عام 1941.



وبلغ تعداد التشكيلات الكردية المسلحة التي عبرت الحدود السوفيتية الكردية ألفي فرد تصطحبهم عائلاتهم. وقامت السلطات السوفيتية اولا بحجز الاكراد ثم سمحت لهم باقامة مخيمات. وكلف اباكوموف وزير الامن في الاتحاد السوفيتي بافل سودوبلاتوف رئيس شعبة العمليات الخاصة في الاستخبارات السوفيتية آنذاك بان يجري محادثات مع مصطفي بارزاني. وقدم سودوبلاتوف نفسه لبارزاني كانه مسؤول سوفيتي اسمه ماتفييف نائب المدير العام لوكالة "تاس" السوفيتية. واعلن مصطفى بارزاني في اول لقاء عقد بينهما ان الاكراد اشعلوا على مدى السنوات ال 100 الاخيرة 80 انتفاضة ضد الفرس و العراقيين والاتراك والانكليز وطلبوا المساعدة من روسيا 60 مرة . وانهم حصلوا عليها كل مرة تقريبا.
وكتب سودوبلاتوف في مذكراته ان الاتحاد السوفيتي كان آنذاك بلدا معنيا في اقامة علاقات جيدة مع الاكراد بغية اضعاف النفوذ البريطاني والامريكي في منطقة الشرق الاوسط. لذا اخبر سودوبلاتوف مصطفى بارزاني ان الجانب السوفيتي وافق على ان يتلقى هو وضباطه التدريب الخاص على ايدي الخبراء السوفيت، وذلك في الكليات والاكاديميات الحربية السوفيتية. وأكد سودوبلاتوف ان اقامة الاكراد في المناطق الريفية باوزبكستان السوفيتية هى امر مؤقت سيظل الى ان تنضج الظروف لعودتهم الى كردستان. وعول ستالين آنذاك على ان مصطفى بارزاني يمكن ان يلعب دورا بارزا في الاطاحة بالنظام الموالي للانكليز في العراق.

النفط والاكراد

لم يشكك اي احد - برأي سودوبلاتوف - ان العامل الرئيسي الذي أثر على قرار الاتحاد السوفيتي بدعم الاكراد هو النفط. وأملت الاستخبارات السوفيتية بان يساعدها الاكراد في تعطيل آبار النفط في منطقة الموصل التي كانت لها حينذاك اهمية كبيرة في تزويد القوات البريطانية والامريكية المرابطة في الشرق الاوسط ومنطقة البحر المتوسط بالنفط .

انتظر مصطفى بارزاني تقرير مصيره فترة 5 سنوات. ثم اعلن للقيادة السوفيتية انه لم يعد يتحلى بالصبر ويتحمل المعاملة غير المحترمة من جانب السلطات الازبيكية فوجه رسالة الى ستالين حيث طالبه بان يفى بتعهداته وبالدرجة الاولى فيما يتعلق بتشكيل وحدات قتالية كردية. كما اراد مصطفى بارزاني المحافظة على بقاء سيطرته على انصاره المقيمين في التعاونيات الزراعية بمنطقة طشقند. وألمح برزاني في الوقت نفسه الى ان الامريكيين والانكليز قاموا بمحاولات لكسبه الى جانبهم. ووصل سودوبلاتوف مجددا ليجري المحادثات معه واقترح عليه تشكيل لواء خاص من الاكراد يبلغ قوامه 1.5 ألف فرد بغية خوض عمليات التخريب في منطقة الشرق الاوسط. وعولت السلطة السوفيتية على استخدام هذا اللواء للاطاحة بحكومة نوري سعيد في بغداد ، الامر الذي كان من شأنه اضعاف نفوذ الانكليز في المنطقة. قد تحقق هذا الامر فعلا عام 1958 . ولعب الاكراد دورا معينا في تحقيقه. وكان من المفترض ان يلعب الاكراد دورا محددا في المخططات الخاصة بتعطيل خطوط انابيب النفط في اراضي العراق وسورية وايران في حال اندلاع العمليات الحربية او التهديد بالهجوم النووي على الاتحاد السوفيتي.

واعرب مصطفى بارزاني عن رغبته في توقيع اتفاقية التعاون مع الحكومة السوفيتية مقابل الحصول على ضمانات المساعدة في قيام جمهورية كردية في ملتقى حدود العراق وايران وتركيا. وفي طبيعة الحال لم يمنح احد الاكراد اية ضمانات. لكن الحكومة السوفيتية لم تعارض تشكيل حكومة كردية في المهجر وفكرة تأسيس حزب كردستان الديمقراطي برئاسة برزاني والتي بحثت حتى على مستوى المكتب السياسي للحزب الشيوعي السوفيتي.


واقام بارزاني المحاط بافراد عائلته وانصاره في ابريل عام 1952 في تعاونية زراعية كبيرة بالقرب من طشقند. وقررت موسكو حينذاك تشكيل اقليم ذاتي الحكم . واوعزت القيادة السوفيتية لوزارة الامن بتنظيم دورات عسكرية للاكراد ومساعدتهم في اقامة العلاقات مع اخوتهم في خارج الاتحاد السوفيتي. واتخذت عند ذاك بعض الخطوات لتجنيد رجال مصطفى بارزاني ليتعاونوا مع المخابرات السوفيتية. لكن جهاز الامن التابع لبرزاني حال دون وقوع ذلك. وسجلت حالة واحدة لتجنيد احد الضباط الصغار الدارس في الاكاديمية العسكرية السوفيتية. لكنه اختفى بعد عودته الى طشقند لم يعثر على آثاره. فقيل انه اعدم بأمر من مصطفى بارزاني.

وكتب سودوبلاتوف في مذكراته ان مصطفى برزاني فهم ان مستقبل الاكراد يعتمد على الاستفادة الماهرة من التناقضات القائمة بين الدول الكبرى التي لديها مصالح في منطقة الشرق الاوسط. كما انه ادرك ان مصالح الاكراد لم تحسبها موسكو ولا لندن ولا واشنطن التي كانت معنية بشيء واحد وهو امكانية استغلال مكامن النفط في دول الشرق الاوسط.




الورقة الكردية

كان الاكراد قبل منصف خمسينات القرن الماضي حليفا وحيدا للاتحاد السوفيتي في منطقة الشرق الاوسط. لكن بعد وقوع الانقلاب في العراق والاطاحة بحكومة نوري سعيد اكتسب الاتحاد السوفيتي حلفاء جدد - العراق وسورية مصر، التي اعتبرها من وجهة نظر مصالحه الجيوسياسية اهم من الاكراد. ونسي الاتحاد السوفيتي مشاكل الاكراد لفترة.

واعترف الكثير من المؤرخين ان مأساة الاكراد تكمن في ان مصالح الاتحاد السوفيتي والغرب والدول العربية الى درجة ما نظرت الى الاكراد باعتبارهم قوة للتخويف في المنطقة او ورقة يمكن التلاعب بها في صدامت قد تقع بين حكام تركيا وايران والعراق. ولم يعتزم احد الاستعانة بالاكراد لتحقيق اهدافه ومساعدتهم في اقامة دولة مستقلة، لعدم وجود في الغرب او في الدول العربية من كان يرغب في ان تكون حقول نفط الموصل تحت سيطرة دولة كردية مستقلة.

وقد راهنت الاستخبارات السوفيتية هي ايضا على الورقة الكردية في تعاملها مع تركيا التي يقطنها ما يربو على 20 مليون كردي. لكن الاستخبارات السوفيتية والاستخبارات الروسية التي حلت محلها فيما بعد لم تستطع ان تتخذ هنا مواقفا راسخا .

يذكر ان الزعيم الكردي عبد الله اوجلان اقام قبل اعتقاله في 15 فبراير/شباط عام 1999 فترة ما في روسيا حيث طلب من السلطات الروسية منحه حق اللجوء السياسي. وقد ايد مجلس الدوما الروسي هذا الطلب . لكن الحكومة الروسية رفضت طلبه.







ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق